نظام فصائل الدم MAL: اكتشاف علمي يحل لغزاً استمر أكثر من نصف قرن

الدكتور نهلان جوير حسن
20 -10- 2026
لم يكن اكتشاف نظام فصائل الدم MAL مجرد إضافة اسم جديد إلى قائمة فصائل الدم المعروفة، بل كان حلاً للغز طبي بدأ عام 1972، عندما اكتشف العلماء أن كريات الدم الحمراء لدى امرأة حامل تفتقر إلى مستضد يُعرف باسم AnWj. وعلى الرغم من قدرة المختبرات على التعرف على هذه الحالة النادرة، ظل تفسيرها الجيني مجهولاً لعقود، حتى تمكن الباحثون من تحديد البروتين المرتبط بالمستضد والكشف عن دور جين MAL في ظهوره [1، 2].
لماذا لا تكفي فصائل الدم A وB وO؟
يعرف معظم الناس فصائل الدم A وB وAB وO، بالإضافة إلى عامل ريسوس (Rh)، لكن هذه التصنيفات لا تمثل سوى جزء من التعقيد الحقيقي لسطح كريات الدم الحمراء. فتحمل هذه الخلايا مئات المستضدات التي تختلف بين الأفراد، ويمكن للجهاز المناعي التعرف على بعضها وإنتاج أجسام مضادة ضدها.
إذا تلقى شخص دماً يحمل مستضداً يفتقر إليه، وكان لديه جسم مضاد موجّه ضده، فقد تحدث استجابة مناعية تؤدي إلى انحلال كريات الدم الحمراء المنقولة، وقد تكون النتيجة خطيرة. ولهذا فإن توافق الدم أكثر تعقيداً من مجرد مطابقة نظامي ABO وRh.
بحسب بيانات الجمعية الدولية لنقل الدم (ISBT) حتى يونيو 2024، كان هناك 47 نظاماً لفصائل الدم تضم 366 مستضداً معترفاً به. ويعكس ذلك مدى اتساع التنوع المستضدي في دم الإنسان [2، 3].
ما مستضد AnWj وما علاقته ببروتين Mal؟
المستضد AnWj هو علامة جزيئية توجد عادةً على غشاء كريات الدم الحمراء، ويحملها بروتين يُسمّى Mal، وهو بروتين غشائي متعدد المقاطع يعبر الغشاء الخلوي. ويُشفَّر هذا البروتين بواسطة جين MAL.
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن غياب مستضد معين لا يعني بالضرورة وجود اختلاف في فصائل الدم التقليدية، بل قد يعكس اختلافاً في بروتين آخر على سطح الخلية. وقد مكّن تحديد البروتين والجين المرتبطين بالمستضد الباحثين من تفسير الظاهرة على المستوى الجزيئي [1].
كيف حُلّ اللغز بعد أكثر من خمسين عاماً؟
بدأت القصة عام 1972، عندما اكتُشف لدى امرأة حامل نمط دموي غير مألوف يتمثل في غياب مستضد AnWj. واستطاع الباحثون التعرف على هذه الحالة باستخدام الاختبارات المصلية، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد السبب الوراثي وراءها.
في عام 2024، نُشرت نتائج بحثية في مجلة Blood كشفت الأساس الجيني لهذه الظاهرة. استخدم الباحثون تقنيات التسلسل الجيني، ومنها تسلسل الإكسوم، لفحص الجينات التي يمكن أن تفسر غياب المستضد.
أظهرت النتائج وجود حذوفات في جين MAL لدى الأشخاص الذين يفتقرون وراثياً إلى المستضد AnWj. وفي الحالات المدروسة، شمل الحذف الإكسونين الثالث والرابع، ما أدى إلى غياب بروتين Mal الوظيفي عن سطح كريات الدم الحمراء. ولم يكتفِ الباحثون بإثبات الارتباط الجيني، بل أجروا تجارب خلوية وجزيئية إضافية، شملت التعبير عن البروتين في الخلايا المدروسة. وأظهرت النتائج أن بروتين Mal ضروري لظهور المستضد AnWj. وهكذا انتقل البحث من ملاحظة ظاهرة دموية نادرة إلى تفسير تدعمه أدلة جينية وتجريبية [1].
هل كل شخص سلبي للمستضد AnWj يحمل تغيراً وراثياً؟
ليس بالضرورة. فمن المهم التفريق بين الغياب الوراثي للمستضد والغياب المكتسب. فقد يرتبط النمط الوراثي بحذوفات في جين MAL، بينما قد يتثبط ظهور المستضد في بعض الحالات المكتسبة المرتبطة بأمراض معينة.
لذلك لا يكفي العثور على نتيجة مصلية سلبية وحدها لإثبات وجود تغير وراثي؛ بل قد تتطلب الحالة فحوصاً إضافية لتحديد السبب. ويساعد هذا التفريق على تفسير نتائج اختبارات الدم بصورة صحيحة وتجنب الاستنتاجات الوراثية غير الدقيقة [1، 2].
الأهمية الطبية للاكتشاف
تظهر الأهمية السريرية لهذا الاكتشاف عند نقل الدم إلى الأشخاص الذين يفتقرون إلى مستضد AnWj. فإذا كان الشخص يحمل أجساماً مضادة موجّهة ضد هذا المستضد، فقد يؤدي نقل كريات دم موجبة له إلى تفاعل انحلالي خطير.
ويساعد فهم الأساس الجيني لنظام MAL على تطوير الفحوص الجينية وتحسين تقييم التوافق الدموي، ولا سيما لدى الحالات النادرة التي يصعب تفسير نتائجها بالاختبارات الروتينية. كما يتيح لمختبرات المناعة الدموية المرجعية تحديد طبيعة الحالة واختيار وحدات الدم الملائمة عند الحاجة.
ومع ذلك، فإن غياب المستضد لا يعني تلقائياً حدوث تفاعل خطير عند نقل الدم؛ إذ يعتمد الخطر على وجود الأجسام المضادة ذات الصلة ومدى توافق الدم المنقول مع المتلقي [1، 2].
الاعتراف بنظام MAL
في يونيو 2024، اعترفت الجمعية الدولية لنقل الدم بنظام MAL بوصفه نظام فصائل الدم رقم 47، وأُدرج المستضد AnWj ضمن هذا النظام. وقد مثّل ذلك خطوة مهمة في تصنيف التنوع المستضدي البشري وربط العلامات المصلية بالأساس الجزيئي المسؤول عنها.
ومن الضروري مراعاة تاريخ الأرقام عند الاستشهاد بها؛ فقد أظهرت بيانات يونيو 2024 وجود 47 نظاماً و366 مستضداً، بينما تشير قاعدة بيانات ISBT المحدثة في 24 سبتمبر 2026 إلى وجود 49 نظاماً و400 مستضد. ويعكس هذا التغير استمرار تطور علم المناعة الدموية واكتشاف أنظمة ومستضدات جديدة [2، 3].
تكشف قصة نظام MAL عن إحدى السمات الأساسية للبحث العلمي: قد ينجح الأطباء في التعرف على ظاهرة سريرية، لكن تفسيرها قد يظل مجهولاً لعقود حتى تتوافر الأدوات الجزيئية والتجارب المناسبة. بدأت القصة بملاحظة غياب مستضد على كريات دم امرأة حامل عام 1972، وانتهت بتحديد بروتين Mal ودور جين MAL في ظهور المستضد AnWj، ثم الاعتراف بنظام دموي جديد عام 2024.
إن القيمة الحقيقية لهذا الاكتشاف لا تكمن في إضافة اسم جديد إلى قائمة فصائل الدم فحسب، بل في الربط بين الملاحظة السريرية والوراثة الجزيئية، وتحويل المعرفة الأساسية إلى وسيلة عملية لتحسين توافق الدم وتقليل مخاطر نقل الدم غير المتوافق. وهو مثال واضح على أن فهم التفاصيل الجزيئية الصغيرة قد يكون حاسماً في الطب السريري.
References;
- Blood (2024). “Deletions in the MAL gene result in loss of Mal and the AnWj blood group antigen.”
https://ashpublications.org/…/Deletions-in-the-MAL-gene…
- University of Bristol (2024). Research announcement on the discovery of the MAL blood group system.
https://www.bristol.ac.uk/…/september/blood-group.html
- International Society of Blood Transfusion (ISBT). Blood Group Database.
https://blooddatabase.isbtweb.org/system/MAL
